فهرس الكتاب

الصفحة 1236 من 8321

المسألة الثالثة: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق . وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته من الجنة والنار ، قال تعالى: { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } [ إبراهيم: 22 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَقُضِىَ الأمر } يدل على أن أحوال القيامة توجد دفعة من غير توقف ، فإنه تعالى ليس لقضائه دافع ، ولا لحكمه مانع .

المسألة الرابعة: قرأ معاذ بن جبل { قُضِىَ الأمر } على المصدر المرفوع عطفًا على الملائكة .

أما قوله تعالى: { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: من المجسمة من قال: كلمة إلى لانتهاء الغاية ، وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة ، أجاب أهل التوحيد عنه من وجهين الأول: أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيرًا من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواء كما قال: { والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [ الأنفطار: 19 ] وهذا كقولهم: رجع أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى: { وإلى الله المصير } [ آل عمران: 28 ] مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه الثاني: قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أمورًا امتحانًا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر ، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى .

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { تُرْجَعُ } بضم التاء على معنى ترد ، يقال: رجعته أي رددته ، قال تعالى: { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى } [ فصلت: 50 ] وفي موضع آخر: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى } [ الكهف: 36 ] وفي موضع آخر: { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق } [ الأنعام: 62 ] وقال تعالى: { رَبّ ارجعون * لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا } [ المؤمنون: 99 100 ] أي ردني ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { تُرْجَعُ } بفتح التاء أي تصير ، كقوله تعالى: { أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } [ الشورى: 53 ] وقوله: { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ وإلى الله مَرْجِعُكُمْ } [ هود: 4 ، المائدة: 48 ، الغاشية: 25 ] قال القفال C: والمعنى في القراءتين متقارب ، لأنها ترجع إليه جل جلاله ، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة ، ثم قال: وفي قوله: { تُرْجَعُ الأمور } بضم التاء ثلاث معان أحدها: هذا الذي ذكرناه ، وهو أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية: { وَقُضِىَ الأمر } وهو قاضيها والثاني: أنه على مذهب العرب في قولهم: فلان يعجب بنفسه ، ويقول الرجل لغيره: إلى أين يذهب بك ، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث: أن ذوات الخلق وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون ، وكانوا رادين أمرهم إلى خالقهم ، فقوله: { تُرْجَعُ الأمور } أي يردها العباد إليه وإلى حكمه بشهادة أنفسهم ، وهو كما قال: { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِى الأرض } [ الجمعة: 1 ، التغابن: 1 ] فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال ، لا بحسب النطق باللسان ، وعليه يحمل أيضًا قوله: { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السماوات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا } [ الرعد: 15 ] قيل: إن المعنى يسجد له المؤمنون طوعًا ، ويسجد له الكفار كرهًا بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله ، فكذا يجوز أن يقال: إن العباد يردون أمورهم إلى الله ، ويعترفون برجوعها إليه ، أما المؤمنون فبالمقال ، وأما الكفار فبشهادة الحال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت