وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماءً نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلًا إلى الحموضة ، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضًا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز .
وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر .
المقام الثاني: في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه الأول: أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام لقوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى } [ الأعراف: 33 ] فكان مجموع هاتين الآيتين دليلًا على تحريم الخمر الثاني: أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب ، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث: أنه تعالى قال: { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم .
فإن قيل: الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثمًا ، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم: إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حرامًا؟ .
قلنا: لأن السؤال كان واقعًا عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثمًا ، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزمًا لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب محرمًا ، ومنهم من قال: هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر ، واحتج عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني: لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة؟ الثالث: أنه تعالى أخبر أن فيهما إثمًا كبيرًا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلًا ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببًا لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع .
والجواب عن الأول: أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرمًا ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعًا من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام .
والجواب عن الثاني: أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم ، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونًا وطمأنينة .