أما قوله تعالى: { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز ، ومنه يقال للجماع: الخلاط ويقال: خولط الرجل إذا جن ، والخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله .
المسألة الثانية: في تفسير الآية وجوه أحدها: المراد: وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم ، والمعنى: أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم ، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم ، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين ، والاجتماع في المسكن الواحد ، كما يفعله المرء بمال ولده ، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة ، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها: أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنيًا أو فقيرًا ، ومنهم من قال: إذا كان القيم غنيًا لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ، واحتجوا عليه بقوله تعالى: { وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } وأما إن كان القيم فقيرًا فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر ، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم ، وروي عن عمر Bه أنه قال: أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضًا بالمعروف ثم قضيت ، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيرًا وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه .
القول الثالث: أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي .
والقول الرابع: وهو اختيار أبي مسلم: أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح ، على نحو قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا } [ النساء: 3 ] وقوله عز من قائل: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء }