[ النساء: 127 ] قال وهذا القول راجح على غيره من وجوه أحدها: أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله وثانيها: أن الشركة داخلة في قوله: { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } والخلط من جهة النكاح ، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك ، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب وثالثها: أن قوله تعالى: { فَإِخوَانُكُمْ } يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط ، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلمًا ، فوجب أن تكون الإشارة بقوله: { فَإِخوَانُكُمْ } إلى نوع آخر من المخالطة ورابعها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة: 221 ] فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة ، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك .
المسألة الثالثة: قوله: { فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم ، قال الفراء: ولو نصبته كان صوابًا ، والمعنى فإخوانكم تخالطون .
أما قوله: { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } فقيل: المفسد لأموالهم من المصلح لها ، وقيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح ، يعني: إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضًا آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه ، وليس له / أحد يراعيها فكأنه تعالى قال: لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل: والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئًا من غير إصلاح منكم لمالهم .
أما قوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: «الإعنات» الحمل على مشقة لا تطاق يقال: أعنت فلان فلانًا إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتًا إذا لبس عليه في سؤاله ، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل { العنت } من المشقة ، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدودًا ، ومنه قوله تعالى: { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } [ التوبة: 128 ] أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم .