"حلال ، فلما ولى الرجل دعاه فقال: كيف قلت في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، أو في أي الخصفتين ، أو من قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق: «لا تؤتوا النساء في أدبارهن"وأراد بخربتها مسلكها ، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها ، والخرزة هي التي يثقبها الخراز ، كنى به عن المأتي ، وكذلك الخصفة من قولهم: خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من قال بالجواز وجوه:
الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية من وجهين الأول: أنه تعالى جعل الحرث اسمًا للمرأة فقال: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين ، فلما قال بعده: { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقًا في إتيانهن على جميع الوجوه ، فيدخل فيه محل النزاع .
الوجه الثاني: أن كلمة { أَنّى } معناها أين ، قال الله تعالى: { أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } [ الأعراف: 37 ] والتقدير: من أين لك هذا فصار تقدير الآية: فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة: أين شئتم ، تدل على تعدد الأمكنة: اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرًا بين الأمكنة .
إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها ، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال: اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة: كيف ، بل لفظة { أَنّى } ويثبت أن لفظة { أَنّى } مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه .
الحجة الثانية: لهم: التمسك بعموم قوله تعالى: { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المؤمنون: 6 ] ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولًا به في حق النسوان .
الحجة الثالثة: توافقنا على أنه لو قال للمرأة: دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقًا ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالًا له ، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب .
أجاب الأولون فقالوا: الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول: أن الحرث اسم لموضع الحراثة ، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعًا للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله: { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين ، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي .