فهرس الكتاب

الصفحة 1307 من 8321

فإن قيل: فما المختار من هذه الأقاويل؟ .

قلنا: قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون: من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب ، لأن { أَنّى } يكون بمعنى { متى } ويكون بمعنى { كَيْفَ } وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت { أنّى } لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا .

أما قوله: { وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } فمعناه: افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره: قدم لنفسك عملًا صالحًا ، وهو كقوله: { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } [ البقرة: 197 ] ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله: { قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار } [ ص: 60 ] .

فإن قيل: كيف تعلق هذا الكلام بما قبله؟ .

قلنا: نقل عن ابن عباس أنه قال: معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد ، والذي عندي فيه أن قوله: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل: هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده: { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فأتوا حرثكم ، ولاتأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله: { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } دليلًا على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية عل الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال: { وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { واتقوا الله } ثم أكده ثالثًا بقوله: { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضًا دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين .

أما قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم ، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله: { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } [ البقرة: 46 ] واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها: { وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } والمراد منه فعل الطاعات وثانيها: قوله: { واتقوا الله } والمراد منه ترك المحظورات وثالثها: قوله: { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثًا وما أحسن هذا الترتيب ، ثم قال: { وَبَشّرِ المؤمنين } والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعدًا والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم ، فصار كقوله: { وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلًا كِبِيرًا } [ الأحزاب: 47 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت