فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 8321

« كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة » وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ماكان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب ، وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة .

الحجة الثانية: أن قوله: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب ، ولكن المراد من قوله: { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد ، ولا يربط قلبه به ، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام: لا والله بلى والله ، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلًا ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك ، فلم يكن ذلك لغوًا ألبتة بل كان ذلك حاصلًا بكسب القلب .

الحجة الثالثة: أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية: { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم } [ البقرة: 224 ] وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد: لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف ، فذكر تعالى عقيب قوله: { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم } حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف ، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة Bه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة Bه من وجوه .

الحجة الأولى: قوله A: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه » الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقًا من غير فصل بين المجد والهازل .

الحجة الثانية: أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق ، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس: لا والله بلى والله ، إذا حصل الحنث ، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي ، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر:

إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين

أي بالقوة ، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين ، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلًا للتقوية ، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل ، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية ألبتة ، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها ، والخالي عن المطلوب يكون لغوًا ، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي ، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية ، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغوًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت