فهرس الكتاب

الصفحة 1311 من 8321

القول الثالث: في تفسير يمين اللغو: هو أنه إذا حلف على ترك طاعة ، أو فعل معصية ، فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية . قال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ } [ القصص: 55 ] فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ، ثم قال: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية ، قالوا: وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر » وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول: هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ } [ المائدة: 89 ] ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة ، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني: أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب ، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب .

القول الرابع: في تفسير يمين اللغو: أنها اليمين المكفرة سميت لغوًا لأن الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل: لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم ، وهذا قول الضحاك .

القول الخامس: وهو قول القاضي: أن المراد به ما يقع سهوًا غير مقصود إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو .

المسألة الثانية: احتج الشافعي Bه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس ، قال: إنه تعالى ذكر ههنا { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وقال في آية المائدة: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل ، فلما ذكر ههنا قوله: { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب ، وأيضًا ذكر المؤاخذة ههنا ، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي ، وبينها في آية المائدة بقوله: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ } فبين أن المؤاخذة هي الكفارة ، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه ، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه ، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب ، فالكفارة واجبة فيها ، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت