أما قوله تعالى: { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر } فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم: إن كنت مؤمنًا فلا تظلم ، تريد إن كنت مؤمنًا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء ، وهو كما قال في الشهادة { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } [ البقرة: 283 ] وقال: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } [ البقرة: 283 ] والآية دالة على أن كل من جعل أمينًا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد .
قوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } .
اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية ، وفي البعولة قولان أحدهما: أنه جمع بعل ، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة ، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب ، فلا يقال في كعب: كعوبه ، ولا في كلب: كلابة ، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة ، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات ، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان ، كما أنهما زوجان ، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل ، يقال: من بعل هذه الناقة؟ كما يقال: من ربها ، وبعل اسم صنم كانوا يتخدونه ربًا ، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد .
القول الثاني: أن العبولة مصدر ، يقال: بعل الرجل يبعل بعولة ، إذا صار بعلًا ، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها ، وفي الحديث أن النبي A قال في أيام التشريق: « أنها أيام أكل وشرب وبعال » وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها ، ومنه الحديث « إذا أحسنتن ببعل أزواجكن » وعلى هذا الوجه كان معنى الآية: وأهل بعولتهن .
وأما قوله: { أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك } فالمعنى: أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص وههنا سؤالات:
السؤال الأول: ما فائدة قوله: { أَحَقُّ } مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك .
الجواب من وجهين الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } كان تقدير الكلام: فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر ، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن ، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ، فبين أن الزوج الأول أحق منه ، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة الثاني: إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ } من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة .