فإن قيل: فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معًا ، فكيف قلتم: إنه يكفي حصول الخوف منها فقط .
قلنا: سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف الحاصل من قبل الزوج ، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج ، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها ، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلًا لهما جميعًا ، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج ، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح وجهه ، أو لمرض منفر منه ، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية الله في أن لا تطيع الزوج ، ويكون الزوج خائفًا من معصية الله تعالى من أن يقع منه تقصير في بعض حقوقها .
القسم الثاني: أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط ، بأن يضربها ويؤذيها ، حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية ، وبدليل سائر الآيات ، كقوله: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ } إلى قوله: { أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْمًا مُّبِينًا } [ النساء: 19 ، 20 ] وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك المال .
القسم الثالث: أن لا يكون هذا الخوف حاصلًا من قبل الزوج ، ولا من قبل الزوجة ، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين: أن هذا الخلع جائز ، والمال المأخوذ حلال ، وقال قوم إنه حرام .
القسم الرابع: أن يكون الخوف حاصلًا من قبلهما معًا ، فهذا المال حرام أيضًا ، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلًا من قبل الزوج ، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } [ النساء: 35 ] الآية ، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال ، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة ، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما بين المكلفين وبين الله تعالى ، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء .
المسألة الخامسة: قرأ حمزة: { إِلاَّ أَن يخافا } بضم الياء والباقون بفتحها ، قال صاحب «الكشاف» وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من ألف الضمير ، وهو من بدل الاشتمال ، كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله ، وهذا المعنى متأكد بقراءة عبد الله { إِلا أَنْ يخافوا } وبقوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ } ولم يقل: خافا ، فجعل الخوف لغيرهما ، وجه قراءة العامة إضافة الخوف إليهما على ما بينا أن المرأة تخاف الفتنة على نفسها ، والزوج يخاف أنها إن لم تطعه يعتدي عليها .