فهرس الكتاب

الصفحة 1349 من 8321

المسألة الثانية: هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان الأول: قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } [ الطلاق: 6 ] ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك: { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى } [ الطلاق: 6 ] وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى: { وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } [ البقرة: 233 ] والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجبًا عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام .

أما قوله تعالى: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولًا وبعض الآخر ، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يومًا وبعض اليوم الآخر .

المسألة الثانية: اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى قال بعد ذلك: { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني: أنه تعالى قال: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه الأول: وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك .

الوجه الثاني: في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكمًا خاصًا في الشريعة ، وهو قوله A: « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي Bه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري Bهم ، وقال أبو حنيفة Bه: مدة الرضاع ثلاثون شهرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت