« لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا » وقال الحسن والشعبي: هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم .
واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله A: « وتلبثي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت » .
المسألة العاشرة: احتج من قال: إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى: { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } فقوله: { مّنكُمْ } خطاب مع المؤمنين ، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط .
وجوابه: أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات: 45 ] مع أنه كان منذرًا للكل ، لقوله تعالى: { لِيَكُونَ للعالمين نَذِيرًا } [ الفرقان: 1 ] .
وأما قوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد ، وقيل: الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } تقديره: لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال: { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بالمعروف } أي ما يحسن عقلًا وشرعًا لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعًا لشرائط الصحة ، ثم ختم الآية بالتهديد ، فقال: { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } . بقي في الآية مسائل:
المسألة الأولى: تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى: { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله ، والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما .
المسألة الثانية: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ، قالوا: إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزًا لقوله تعالى: { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة ، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة ، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطبًا بقوله: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وبالله التوفيق .