الوجه الثالث: في الجواب ما يدور حوله القفال C ، وحاصله يرجع إلى ما أقوله ، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، فتقدير الآية: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، بمعنى: لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعًا لم يجب المهر ، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله: { لاَّ جُنَاحَ } معناه لا مهر ، فنقول: إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل ، يقال: أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحًا لما فيه من الثقل ، قال تعالى: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [ العنكبوت: 13 ] إذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحًا ، فثبت أن اللفظ محتمل له ، وإنما قلنا: إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول: أنه تعالى قال: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أنْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } نفى الجناح محدودًا إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض ، والتقدير: فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر ، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني: أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما: الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر ، وهو المذكور في هذه الآية والثاني: الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله: { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } [ البقرة: 237 ] ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا ، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم .
واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة ، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها ، لأنه لما صار تقدير الآية: لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير ، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضًا لها لا يجب لها المهر ، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضًا لها والتي تكون مفروضًا لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر ، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة .
وأما القسم الرابع: وهي التي تكون ممسوسة ومفروضًا لها ، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك .