أما الحجة الأولى: فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال بنى الأمير دارًا ، وضرب دينارًا ، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه ، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي ، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء .
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح ، قلنا: العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى: { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد ، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداءً ، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضًا بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره .
وأما الحجة الثالثة: وهي قوله: إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه: أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل: فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا .
المسألة الثانية: للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي ، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله: { أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } إما الزوج وإما الولي ، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح ، فوجب حمله على الولي .
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل: بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره ، قال تعالى: { لَكُمْ دِينَكُمْ } [ الكافرون: 6 ] أي لا لغيركم ، فكذا ههنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره ، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم .
قوله تعالى: { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } فيه مسائل:
المسألة الأولى: هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث ، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول: قائم . ثم تريد التأنيث فتقول: قائمة . فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل ، والدال على المؤنث فرع عليه ، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث ، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبًا .