والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية ، والتقدير: فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم: { إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام .
المسألة الثانية: في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول: قال القاضي: كان مشهورًا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو ، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال: { فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد .
المسألة الثالثة: في النهر أقوال أحدها: وهو قول قتادة والربيع ، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني: وهو قول ابن عباس والسدي: أنه نهر فلسطين ، قال القاضي: والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين .
القول الثالث: وهو الذي رواه صاحب «الكشاف» : أن الوقت كان قيظًا فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهرًا فقال: إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر .
المسألة الرابعة: قوله: { مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال: { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } [ الإنسان: 2 ] ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء ، وثبت أن الله تعالى لا يثبت ، ولا يعاقب على علمه ، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس ، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء ، وفيه لغتان بلا يبلو ، وابتلى يبتلي ، قال الشاعر:
ولقد بلوتك وابتليت خليفتي ... ولقد كفاك مودتي بتأدب
فجاء باللغتين .
المسألة الخامسة: نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان ، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجىء على هذين ، كقولك: صخر وصخر ، وشعر وشعر ، وقالوا: بحر وبحر ، وقال الشاعر:
كأنما خلقت كفاء من حجر ... فليس بين يديه والندى عمل
يرى التيمم في بر وفي بحر ... مخافة أن يرى في كفه بلل
أما قوله تعالى: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { فَلَيْسَ مِنّي } كالزجر ، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي ، ونظيره قوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } ثم قال قبل هذا: { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } وأيضًا نظيره قوله A:"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا"أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم .
المسألة الثانية: قال أهل اللغة { لَّمْ يَطْعَمْهُ } أي لم يذقه ، وهو من الطعم ، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جدًا ، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال: إن هذا الماء كأنه الجلاب ، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه والثاني: أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنه شربه ، فلو قال: ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصورًا على الشرب ، أما لما قال: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } كان المنع حاصلًا في الشرب وفي المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة .