المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في أول الآية: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } ثم قال بعده: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } وكان ينبغي أن يقال: ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقًا أولها ، إلا أنه ترك ذلك اللفظ ، واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلًا بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث ، لأن ذلك وإن كان مجازًا إلا أنه مجاز معروف مشهور .
إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } ظاهره أن يكون النهي مقصورًا على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلًا تحت النهي ، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام .
أما قوله: { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { غَرْفَةً } بفتح الغين ، وكذلك يعقوب وخلف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال: فلان يأكل في النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئًا قليلًا كاللقمة ، ويقال: الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه: الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد: غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به .