المسألة الثانية: قوله: { إِلاَّ مَنِ اغترف } استثناء من قوله: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية .
المسألة الثالثة: قال ابن عباس Bهما: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها .
وأقول: هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما: أنه كان مأذونًا أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه والثاني: أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد E .
أما قوله تعالى: { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمْ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبي والأعمش { إِلاَّ قَلِيلٌ } قال صاحب «الكشاف» : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله: { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى: فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم .
المسألة الثانية: قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلًا لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذونًا في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين .
المسألة الثالثة: القليل الذي لم يشرب قيل: إنه أربعة آلاف ، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي A قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا .
أما قوله: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ففيه مسألتان: