{ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين * وءاتيناهم مِنَ الايات مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } [ الدخان: 32 ، 33 ] وقال: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام: 124 ] وظاهر هذه الآية يدل أيضًا على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت ، قال بعده: { وآتاه الله الملك والحكمة } والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة ، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة ، وقال الأكثرون: إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ، بل ذلك محض التفضل والإنعام ، قال تعالى: { الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلًا وَمِنَ الناس } [ الحج: 75 ] .
المسألة الثانية: قال بعضهم: ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزًا ، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت: خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل ، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهرًا ، وقال الأكثرون: إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت بذلك ، قالوا: لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته ، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان طالوت ، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه .
المسألة الثالثة: { الحكمة } هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة ، قال تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا } [ النساء: 54 ] وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } [ آل عمران: 146 ] .
فإن قيل: فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة؟ مع أن الملك أدون حالًا من النبوة .
قلنا: لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخرًا في الذكر كان أعلى حالًا وأعظم رتبة .
أما قوله تعالى: { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } ففيه وجوه أحدها: أن المراد به ما ذكره في قوله: { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } [ الأنبياء: 80 ] وقال: { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد * أَنِ اعمل سابغات وَقَدّرْ فِى السرد }