فهرس الكتاب

الصفحة 1422 من 8321

[ سبأ: 10 ، 11 ] وثانيها: أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه: { عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير } [ النمل: 16 ] وثالثها: أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكًا بل كانوا رعاة ورابعها: علم الدين ، قال تعالى: { وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُورًا } [ النساء: 163 ] وذلك لأنه كان حاكمًا بين الناس ، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها: الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل .

فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده { علمه مِمَّا يَشَاء } .

قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء كان نبيًا أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد A: { وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا } [ طها: 114 ] ثم قال تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض } .

اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده ، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال: { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض } وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } [ الحج: 40 ] وقرآ جميعًا { إِنَّ الله يدفع عَنِ الذين ءامَنُواْ } [ الحج: 38 ] بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ } بالألف ، وقرأ نافع { وَلَوْلاَ دفاع الله } و { إِنَّ الله يُدَافِعُ } بالألف .

إذا عرفت هذه الروايات فنقول: أما من قرأ: { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله } ، { إِنَّ الله يدفع } فوجهه ظاهر ، وأما من قرأ: { وَلَوْلاَ دفاع الله } ، { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءامَنُواْ } فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعًا لصاحبه ومانعًا له من فعله ، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما: أنه مصدر لدفع ، تقول: دفعته دفعًا ودفاعًا ، كما تقول: كتبته كتبًا وكتابًا ، قالوا: وفعال كثيرًا يجيء مصدرًا للثلاثي من فعل وفعل ، تقول: جمح جماحًا ، وطمح طماحًا ، وتقول: لقيته لقاء ، وقمت قيامًا ، وعلى هذا التأويل كان قوله: { وَلَوْلاَ دفاع الله } معناه ولولا دفع الله .

والقول الثاني: قول من جعل دفاع من دافع ، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة ، كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت