[ المنافقون: 8 ] ورضاه برضاه فقال: { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [ التوبة: 62 ] وإجابته بإجابته فقال: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول } [ الأنفال: 24 ] .
الحجة الرابعة: أن الله تعالى أمر محمدًا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } [ البقرة: 23 ] وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن ، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزًا واحدًا بل يكون ألفي معجزة وأزيد .
وإذا ثبت هذا فنقول: إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى .
الحجة الخامسة: أن معجزة رسولنا A أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء .
بيان الأول قوله عليه السلام: « القرآن في الكلام كآدم في الموجودات » . بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك .
الحجة السادسة: أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد A باقية إلى آخر الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية .
الحجة السابعة: أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال: أُوْلَ
1648;ئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده [ الأنعام: 90 ] فأمر محمدًا A بالاقتداء بمن قبله ، فإما أن يقال: إنه كان مأمورًا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين وهو غير جائز ، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق ، فكأنه سبحانه قال: إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديًا بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقًا فيهم ، فوجب أن يكون أفضل منهم .
الحجة الثامنة: أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر ، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } [ سبأ: 28 ] وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانًا فردًا من غير مال ولا أعوان وأنصار ، فإذا قال لجميع العالمين: يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له ، وحينئذٍ يصير خائفًا من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدًا إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له ، يبين ذلك أن إنسانًا لو قيل له: هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدًا وبلغ إليه خبرًا يوحشه ويؤذيه ، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك ، مع أنه إنسان واحد ، ولو قيل له: اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق ، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، أما النبي A فإنه كان مأمورًا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ ، بل سارع إليها سامعًا مطيعًا ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى: