فهرس الكتاب

الصفحة 1467 من 8321

أما قوله تعالى: { فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } فالمعنى: فبقي مغلوبًا لا يجد مقالًا ، ولا للمسألة جوابه ، وهو كقوله { بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } [ الأنبياء: 40 ] قال الواحدي ، وفيه ثلاث لغات: بهت الرجل فهو مبهوت ، وبهت وبهت ، قال عروة العذري:

فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

أي أتحير وأسكت .

ثم قال: { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } وتأويله على قولنا ظاهر ، أما المعتزلة فقال القاضي: يحتمل وجوهًا: منها أنه لا يهديهم لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع .

وأقول: هذا ضعيف ، لأن قوله لا يهديهم للحجاج ، إنما يصح حيث يكون الحجاج موجودًا ولا حجاج على الكفر ، فكيف يصح أن يقال: إن الله تعالى لا يهديه إليه ، قال القاضي: ومنها أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف من حيث أنهم بالكفر والظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به .

وأقول: هذا أيضًا ضعيف ، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلًا لم يصح أن يقال: إنه تعالى لا يهديهم ، كما لا يقال: إنه تعالى يجمع بين الضدين فلا يجمع بين الوجود والعدم قال القاضي: ومنها أنه تعالى لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا يهديهم إلى الجنة .

وأقول: هذا أيضًا ضعيف ، لأن المذكور هاهنا أمر الاستدلال وتحصيل المعرفة ولم يجر للجنة ذكر ، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة ، بل أقول: اللائق بسياق الآية أن يقال إنه تعالى لما بيّن أن الدليل كان قد بلغ في الظهور والحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن الله تعالى لما لم يقدر له الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر ، ونظير هذا التفسير قوله { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الأنعام: 111 ] .

القصة الثانية

والمقصود منها إثبات المعاد ، قوله تعالى: { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } .

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله { أَوْ كالذى } وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أن يكون قوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم } [ البقرة: 258 ] في معنى ( أَلم تر كالذي حاج ابراهيم ) وتكون هذه الآية معطوفة عليه ، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم ، أو كالذي مرّ على قرية ، فيكون هذا عطفًا على المعنى ، وهو قول الكسائي والفرّاء وأبي علي الفارسي ، وأكثر النحويين قالوا: ونظيره من القرآن قوله تعالى: { قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون: 84 ، 85 ] ثم قال: { مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون: 85 ، 86 ] فهذا عطف على المعنى لأن معناه: لمن السموات؟ فقيل لله . قال الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت