فهرس الكتاب

الصفحة 1480 من 8321

{ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } [ القمر: 7 ] .

البحث الثاني: أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلًا بحيوان واحد ، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات ، وفيه وجهان الأول: أن المعنى فيه أنك سألت واحدًا على قدر العبودية وأنا أعطي أربعًا على قدر الربوبية والثاني: أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس .

البحث الثالث: إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع ، قال تعالى: { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } [ آل عمران: 14 ] والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب ، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب ، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحًا وراحة من نور جلال الله .

أما قوله تعالى: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد ، والباقون بضم الصاد ، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف ، كأنه قيل: أملهن إليك وقطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله { ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءًا } يدل على التقطيع .

فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ .

قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك .

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد { صرهن إليك } معناه قطعهن ، يقال: صار الشيء يصوره صورًا ، إذ قطعه ، قال رؤبة يصف خصمًا ألد: صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسّر هذه الكلمة أيضًا تارة بالإمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل وسليم: صاره يصيره إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره { صرهن } بكسر الصاد: قطعهن . يقال: صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا: عثا وعاث ، قال المبرّد: وهذا لا يصح ، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل أحدهما فرعًا عن الآخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت