المسألة الخامسة: الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل .
أما قوله { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون: حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلًا لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط .
المسألة الثالثة: أجمعت الأمة على أن قوله { لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد .
أما قوله { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ففيه قولان الأول: أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى: { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا } [ طه: 112 ] والثاني: أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة ، كما قال: { وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } [ النمل: 89 ] وقال: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء: 103 ] .