فهرس الكتاب

الصفحة 1531 من 8321

{ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ الأعراف: 12 ] [ ص: 76 ] واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف ، فقالوا: لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس ، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين ، فقال: من باع ثوبًا يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلًا بالعشرين ، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلًا للآخر في المالية عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئًا بغير عوض ، أما إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال: إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل ، لأن الامهال ليس مالًا أو شيئًا يشار إليه حتى يجعله عوضًا عن العشرة الزائدة ، فظهر الفرق بين الصورتين .

المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه ، وأكله مع التحريم ، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر .

فإن قيل: مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا الربا .

قلنا: إن قوله { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط ، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية ، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل ، وذكرنا عليه وجوهًا من الدلائل ، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا ، ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته ، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال ، يقال: فلان يأكل مال الله قضمًا خصمًا ، أي يستحل التصرف فيه ، وإذا حملنا الأكل على الاستحلال ، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها ، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية ، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا ، لا على وعيد من يستحل هذا العقد .

المسألة الثالثة: في الآية سؤال ، وهو أنه لم لم يقل: إنما الربا مثل البيع ، وذلك لأن حل البيع متفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية ، فقال: { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } .

والجواب: أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت