فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 8321

أما قوله تعالى: { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار ، والمعنى أنهم قالوا: البيع مثل الربا ، ثم إنكم تقولون { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } فكيف يعقل هذا؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعًا للتفرقة بين المثلين ، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله { أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد ، وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } وأما قوله { أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالًا لقول الكفار إنما البيع مثل الربا ، والحجة على صحة هذا القول وجوه:

الحجة الأولى: أن قول من قال: هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار ، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين ، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل ، وأما إذا جعلناه كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار ، فكان ذلك أولى .

الحجة الثانية: أن المسلمين أبدًا كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار ، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به ، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية .

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله { فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا } فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها ، ولو لم يكن قوله { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكورًا فلم يكن قوله { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } لائقًا بهذا الموضع .

المسألة الثانية: مذهب الشافعي Bه أن قوله { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، وهذا هو المختار عندي ، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم ألبتة ، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية ، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة .

والوجه الثاني: وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم ، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلًا قوله { وَأَحَلَّ الله البيع } وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق ، فثبت أن قوله { وَأَحَلَّ الله البيع } لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة ، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط ، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله A ، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال ، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلًا جدًا فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت