فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 8321

أما مقدمة الآية فلأن قوله { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى } ليسس فيه بيان أنه انتهى عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق ، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا ، فكان قوله { فانتهى } عائدًا إليه ، فكان المعنى: فانتهى عن هذا القول .

وأما مؤخرة الآية فقوله { وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } ومعناه: عاد إلى الكلام المتقدم ، وهو استحلال الربا { فأمره إِلَى الله } ثم هذا الإنسان إما أن يقال: إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضًا عن أكل الربا ، أو ليس كذلك ، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقرًا بدين الله عالمًا بتكليف الله ، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام ، لكن قوله { فأمره إِلَى الله } ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلا أن يكون مختصًا بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره لله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فيكون ذلك دليلًا ظاهرًا على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو .

أما قوله { وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } فالمعنى: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافرًا .

واعلم أن قوله { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله { أُوْلَئِكَ أصحاب النار } يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله { هُمْ فِيهَا خالدون } يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار ، وكونه خالدًا في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه ، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه ، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله ، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها ، والله تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله { فأمره إِلَى الله } على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه .

ثم قوله { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } يدل على أن بتقدير أن يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها الأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير حسن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت