الرواية الرابعة: نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي .
المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنًا بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر .
والجواب: لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } [ البقرة: 3 ] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركًا للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل .
ثم قال تعالى: { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة { فَآذَنُواْ } مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال { فَآمِنُواْ } والباقون { فأذَنُواْ } بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة ، وروي عن النبي A ، وعن علي Bه أنهما قرآ كذلك { فَآذَنُواْ } ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى: { فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ على سَوَاء } [ الأنبياء: 109 ] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، والتقدير: فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضًا قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحيى: قراءة العامة من الاذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن { فأيقنوا } وهو دليل لقراءة العامة .
المسألة الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله } خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى ، لأن قوله { فَأْذَنُواْ } خطاب مع قوم تقدم ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرباا } وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين .
فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟
قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في الخبر « من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة » وعن جابر عن النبي A: « من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله » وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة: 33 ] أصلًا في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله .
إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول: المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني: المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر Bه ما نعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان ، وترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس Bهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه .