والقول الثاني: في هذه الآية أن قوله { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ } [ البقرة: 279 ] خطاب للكفار ، وأن معنى الآية { وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرباا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ البقرة: 278 ] معترفين بتحريم الربا { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلًا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافرًا ، كما لو كفر بجميع شرائعه .
ثم قال تعالى: { وَإِن تُبتُمْ } والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول الثاني من استحلال الربا { فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال .
ثم قال تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال النحويون { كَانَ } كلمة تستعمل على وجوه أحدها: أن تكون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله: قد كان الأمر ، أي وجد ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني: أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى الكلمة مجردة للزمان ، وحينئذ يحتاج إلى الخبر ، وذلك كقوله: كان زيد ذاهبًا .
واعلم أني حين كنت مقيمًا بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء ، أوردت عليهم إشكالًا في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن { كَانَ } إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلًا وهذا محال ، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان ، فقولك { كَانَ } يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلًا كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلًا ألبتة بل كانت حرفًا ، وأنتم تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زمانًا طويلًا ، وصنفوا في الجواب عنه كتبًا ، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد ، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت: كان زيد عالمًا فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي الحقيقة فالمفهوم من { كَانَ } في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيًا ، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيًا ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث ، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالًا على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية .