المسألة الثالثة: قرىء { فَنَظِرَةٌ } بسكون الظاء ، وقرأ عطاء ( فناظره ) أي فصاحب الحق أي منتظره ، أو صاحب نظرته ، على طريق النسب ، كقولهم: مكان عاشب وباقل ، أي ذو عشب وذو بقل ، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة .
المسألة الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر واليسار ، الذي هو ضد الإعسار ، وهو تيسر الموجود من المال ، ومنه يقال: أيسر الرجل فهو موسر ، أي صار إلى اليسر ، فالميسرة واليسر والميسور الغنى .
المسألة الخامسة: قرأ نافع { إلى مَيْسَرَةٍ } بضم السين والباقون بفتحها ، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة ، والمشرفة ، والمشربة ، والمسربة ، والفتح أشهر اللغتين ، لأنه جاء في كلامهم كثيرًا .
المسألة السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل ، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا ، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر ، فقال شريح: إنما ذلك في الربا ، والله تعالى قال في كتابه { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء: 58 ] وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك ، فشكا بنو المغيرة العسرة ، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فأبوا أن يؤخروهم ، فأنزل الله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } .
القول الثاني: وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين ، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } ولم يقل: وإن كان ذا عسرة ، ليكون الحكم عامًا في كل المفسرين ، قال القاضي: والقول الأول أرجح ، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } من غير بخس ولا نقص ، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسرًا وجب إنظاره إلى وقت القدرة ، لأن النظرة يراد بها التأخر ، فلا بد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر ، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص ، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى ، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به ، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي Bهم .
المسألة السابعة: اعلم أنه لا بد من تفسير الإعسار ، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه ، فلهذا قلنا: من وحد دارًا وثيابًا لا يعد في ذوي العسرة ، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها ، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله ، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم ، واختلفوا إذا كان قويًا هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره ، فقال بعضهم: يلزمه ذلك ، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله ، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك ، واختلفوا أيضًا إذا كان معسرًا ، وقد بذل غيره ما يؤديه ، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك ، فأما من له بضاعة كسدت عليه ، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك ، ويؤديه في الدين .