[ الأنعام: 38 ] الرابع: فإذا تداينتم أي دين كان صغيرًا أو كبيرًا ، على أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس: ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلو قال: إذا تداينتم لبقي النص مقصورًا على بيع الدين بالدين وهو باطل ، أما لما قال: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } كان المعنى: إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين ، ويبقى بيع العين بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير .
السؤال الثالث: المراد من الآية: كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة { إِذَا } لا تفيد العموم فلم قال: { تَدَايَنتُم } ولم يقل كلما تداينتم .
الجواب: أن كلمة { إِذَا } وإن كانت لا تقتضي العموم ، إلا أنها لا تمنع من العموم وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بيّن العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ، وهو قوله { ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُواْ } والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة وهو ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دلّ النص على أن هذا هو العلة ، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل ، كان الحكم أيضًا حاصلًا في الكل .
أما قوله تعالى: { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ففيه سؤالان:
السؤال الأول: ما الأجل؟ .
الجواب: الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ، وأصله من التأخير ، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل .
السؤال الثاني: المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة؟ .
الجواب: إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله { مُّسَمًّى } والفائدة في قوله { مُّسَمًّى } ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلومًا ، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام ، ولو قال: إلى الحصاد ، أو إلى الدِّياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم يجز لعدم التسمية .
أما قوله تعالى: { فاكتبوه } فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما: الكتبة وهي قوله هاهنا { فاكتبوه } الثاني: الإشهاد وهو قوله { فاستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به ، والله أعلم .