المسألة الثانية: القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل ، وقال آخرون: هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ، والنبي A يقول: « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » وقال قوم: بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخًا بقوله { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته } [ البقرة: 283 ] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين:
الشرط الأول: أن يكون الكاتب عدلًا وهو قوله { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } واعلم أن قوله تعالى: { فاكتبوه } ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتبًا ، فصار معنى قوله { فاكتبوه } أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء } [ المائدة: 38 ] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان .
أما قوله { بالعدل } ففيه وجوه الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني: إذا كان فقيهًا وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقًا عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلًا إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهًا عارفًا بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديبًا مميزًا بين الألفاظ المتشابهة ، ثم قال: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله } وفيه مسائل: