فهرس الكتاب

الصفحة 1565 من 8321

والوجه الثالث في الجواب: أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة Bها أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي A عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه .

فإن قيل: المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى: { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ غافر: 17 ] .

قلنا: هذا خاص فيكون مقدمًا على ذلك العام .

الوجه الرابع في الجواب: أنه تعالى قال: { يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } ولم يقل: يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبًا ومحاسبًا وجوهًا كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالمًا بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالمًا بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس Bهما أنه قال: إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب .

الوجه الخامس في الجواب: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } فيكون الغفران نصيبًا لمن كان كارهًا لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيبًا لمن يكون مصرًا على تلك الخواطر مستحسنًا لها .

الوجه السادس: قال بعضهم: المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه .

الوجه السابع في الجواب: ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله { لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة: 286 ] وهذا أيضًا ضعيف لوجوه أحدها: أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا: أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام: « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » والثاني: أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث: أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي .

واعلم أن الناس اختلافًا في أن الخبر هل ينسخ أم لا؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه ، والله أعلم .

ثم قال: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيبًا للمؤمن يرثه المذنب بأعماله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت