فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 8321

فنقول: قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك ، وسكونك بمشيئتك لسكونك ، فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن ، وعند حصول مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك .

إذا ثبت هذا فنقول: هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلًا أو يكون بمحدث ، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى ، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل ، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى .

إذا ثبت هذا فنقول: لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ، ولا حصول الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، وفي معارضته إشكالان أحدهما: كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني: أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب على العبد ، فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضًا في العلم على ما قررناه في مواضع عدة .

وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله: فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن يعلم في أحكامه أمورًا أربعة أحدها: أنها غير معللة بعلة أصلًا ، لأن كل ما كان معللًا بعلة كان صاحبه ناقصًا بذاته ، كاملًا بغيره ، وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها: أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق ، فإنه منزّه عن جلب المنافع ، ودفع المضار وثالثها: أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها: أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، لأن الكل ملكه وملكه ، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي ، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي .

وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله: فمعرفة أسمائه قال في الأعراف { وَللَّهِ الأسماء الحسنى } [ الأعراف: 180 ] وقال في بني إسرائيل { أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى } [ الإسراء: 110 ] وقال في طه { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } [ طه: 8 ] وقال في آخر الحشر { لَهُ الاسماء الحسنى يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السموات والأرض } [ الحشر: 24 ] والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزّلة على ألسنة أنبيائه المعصومين ، وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله .

وأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه أولها: الإيمان بوجودها ، والبحث عن أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت