والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة: العلم بأنهم معصومون مطهرون { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل: 50 ] { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [ الأنبياء: 19 ] فإن لذتهم بذكر الله ، وأنسهم بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته .
والمرتبة الثالثة: أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه: { والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْرًا } [ الصافات: 1 ، 2 ] وقال: { والذاريات ذَرْوًا فالحاملات وِقْرًا } [ الذاريات: 1 ، 2 ] وقال: { والمرسلات عُرْفًا * فالعاصفات عَصْفًا } [ المرسلات: 1 ، 2 ] وقال: { والنازعات غَرْقًا * والناشطات نَشْطًا } [ النازعات: 1 ، 2 ] ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسرارًا مخفية ، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها .
والمرتبة الرابعة: أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال الله تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير: 19 ، 20 ، 21 ] فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم .
وأما الإيمان بالكتب: فلا بد فيه من أمور أربعة أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها: أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحدًا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولًا عظيمًا ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن .
والمرتبة الثالثة: أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان Bه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة .
والمرتبة الرابعة: أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه يكشف عن متشابهه .
وأما الإيمان بالرسل: فلا بد فيه من أمور أربعة:
المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب ، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } [ البقرة: 36 ] وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى .