المسألة الرابعة: قوله { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } فيه محذوف ، والتقدير: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله { والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ } [ الأنعام: 93 ] معناه يقولون: أخرجوا وقال: { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله } [ الزمر: 3 ] أي قالوا هذا .
المسألة الخامسة: قرأ أبو عمرو { يُفْرَقُ } بالياء على أن الفعل لكل ، وقرأ عبد الله { لا يَفْرَقُونَ } .
المسألة السادسة: أحد في معنى الجمع ، كقوله { فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } [ الحاقة: 47 ] والتقدير: لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع ، لأنه يصير التقدير: لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد A ، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية: لا نفرق بين أحد من الرسل ، وبين غيره في النبوّة ، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام ، والله أعلم .
ثم قال الله تعالى: { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } .
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: الكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول: وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة النظرية بالعلم ، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم { رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ الشعراء: 83 ] فالحكم كمال القوة النظرية { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } كمال القوة العملية ، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب .
إذا عرفت هذا فنقول: الأمر في هذه الآية أيضًا كذلك ، فقوله { كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون .
والوجه الثاني: من النظم في هذه الآية أن للإنسان أيامًا ثلاثة: الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ }