فهرس الكتاب

الصفحة 1575 من 8321

[ هود: 123 ] وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض } إشارة إلى كمال العلم ، وقوله { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضًا مرتبتان: البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال: { فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ هود: 123 ] وأما علم المعاد فهو قوله { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } [ الأنعام: 132 ] أي فيومك غدًا سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضًا قوله سبحانه وتعالى: { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } [ الصافات: 180 ] وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال: { وسلام على المرسلين } [ الصافات: 181 ] وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال: { والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الصافات: 182 ] وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة { وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } [ يونس: 100 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله { آمنَ الرسول } إلى قوله { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } إشارة إلى علم الوسط ، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالمًا مشتغلًا بها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } إشارة إلى علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السموات .

الوجه الثالث في النظم: أن المطالب قسمان أحدهما: البحث عن حقائق الموجودات والثاني: البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله { والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله } والقسم الثاني هو المراد بقوله { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } .

المسألة الثانية: قال الواحدي C قوله { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي سمعنا قوله وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلًا عليه من حيث مدحوا به .

وأقول: هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي C أن حذف المفعول فيه ظاهرًا وتقديرًا أولى لأنك إذا جعلت التقدير: سمعنا قوله ، وأطعنا أمره ، فإذن ههنا قول آخر غير قوله ، وأمر آخر يطاع سوى أمره ، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته: أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت