المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون: سمعنا وأطعنا ، فقوله { سَمِعْنَا } ليس المراد منه السماع الظاهر ، لأن ذلك لا يفيد المدح ، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا ، أي عقلناه وعلمنا صحته ، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ، قال الله تعالى: { إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ } [ ق: 37 ] والمعنى: لمن سمع الذكرى بفهم حاضر ، وعكسه قوله تعالى: { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا } [ لقمان: 7 ] ثم قال بعد ذلك { وَأَطَعْنَا } فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علمًا وعملًا .
ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال ، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها ، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة .
والجواب من وجوه الأول: أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم ، فلما جوزوا ذلك قالوا { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني: روي عن النبي A أنه قال: « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة » فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه E كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيرًا ، فكان يستغفر الله منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضًا غير مستبعد والثالث: أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال: { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } [ الأنعام: 91 ] وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالمًا جدًا إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد A: { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ } [ محمد: 19 ] فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال { وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين }