[ يونس: 10 ] فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه .
ثم إنه قال: { دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } [ يونس: 10 ] يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا .
المسألة الثانية: قوله { غُفْرَانَكَ } تقديره: اغفر غفرانك ، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقيًا ورعيًا ، قال الفرّاء: هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال: نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك: حمدًا حمدًا ، وشكرًا شكرًا ، أي أحمد حمدًا ، وأشكر شكرًا .
المسألة الثالثة: أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما: بالإضافة إليه ، وهو قوله { غُفْرَانَكَ } والثاني: أردفه بقوله { رَبَّنَا } وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها: أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور { وَرَبُّكَ الغفور } [ الكهف: 58 ] { وَهُوَ الغفور الودود } [ البروج: 14 ] وأنت الغفار { استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } [ نوح: 10 ] يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله ههنا { غُفْرَانَكَ } يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله { غُفْرَانَكَ } طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال: { فأولئك يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان: 70 ] وثانيها: روي في الحديث الصحيح « إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءًا واحدًا منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات ، فيها يتراحمون ، وادخر تسعة وتسعين جزءًا ليوم القيامة » فأظن أن المراد من قوله { غُفْرَانَكَ } هو ذلك الغفران الكبير ، كان العبد يقول: هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها: كأن العبد يقول: كل صفة من صفات جلالك وإلهيتك ، فإنما يظهر أثرها في محل معين ، فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك ، فكذا لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت آثار غفرانك ، فقوله { غُفْرَانَكَ } معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي ، وفي حق أمثالي من المجرمين .
وأما القيد الثاني: وهو قوله { رَبَّنَا } ففيه فوائد أولها: ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد ، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك وثانيها: ربيتني حين كنت معدومًا ، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به ، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم ، وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد ، فأسألك أن لا تهملي وثالثها: ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها: ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه ، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك .