فهرس الكتاب

الصفحة 1583 من 8321

واعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى } [ البقرة: 264 ] فلا نعيده .

المسألة الرابعة: احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه ، ونظيره قوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام: 164 ] .

المسألة الخامسة: الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار ، لأن اللام في قوله { لَهَا مَا كَسَبَتْ } يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك بقوله A: « كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين » وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه .

منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله: { لَهَا مَا كَسَبَتْ } والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة .

ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله { لَهَا مَا كَسَبَتْ } .

ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله { لَهَا مَا كَسَبَتْ } والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار .

ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله { لَهَا مَا كَسَبَتْ } والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقيًا قائمًا ، فإنه يجب رده على المالك ، ولا يكون القطع مقتضيًا زوال ملكه عنه .

ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص ، والخاص مقدم على العام ، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم .

ثم إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم ، وذلك لأنه A قال: « الدعاء مخ العبادة » لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي ، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله والكلام في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت