{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } [ البقرة: 186 ] فقال: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله { رَبَّنَا } إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله { واعف عَنَّا واغفر لَنَا } .
أما النوع الأول فهو قوله { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو ، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة .
المسألة الثانية: في النسيان وجهان الأول: أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر .
فإن قيل: أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله A: « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإذا كان النسيان في محل العفو قطعًا فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء » .
والجواب: عنه من وجوه الأول: أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دمًا فأخر إزالته إلى أن نسي فصلّى وهو على ثوبه عد مقصرًا ، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيدًا في موضع فأصاب إنسانًا فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملومًا أما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنسانًا كان ههنا معذورًا ، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملومًا ، وأما إذا واظب على القراءة ، لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذورًا ، فثبت أن النسيان على قسمين ، منه ما يكون معذورًا ، ومنه ما لا يكون معذورًا ، وروي أنه A كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطًا في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذورًا ، وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر ، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء .
الوجه الثاني في الجواب: أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته ، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعارًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل: إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به .