فهرس الكتاب

الصفحة 1585 من 8321

الوجه الثالث في الجواب: أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ، لا طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيرًا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع ، قال الله تعالى: { قَالَ رَبّ احكم بالحق } [ الأنبياء: 112 ] وقال: { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } [ آل عمران: 194 ] وقالت الملائكة في دعائهم { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ } [ غافر: 7 ] فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء .

الوجه الرابع في الجواب: أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلًا ، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذًا فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، فلما كان ذلك جائزًا في العقول ، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء .

الوجه الخامس: أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلًا من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه .

والقول الثاني: في تفسير النسيان ، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى: { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } [ طه: 115 ] وقال تعالى: { نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة: 67 ] أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد .

المسألة الثالثة: علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر ، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلًا في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم { لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } فكان ذلك أمرًا من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء .

فإن قيل: الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصدًا وعمدًا على ما قررتم في المسألة المتقدمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت