فهرس الكتاب

الصفحة 1589 من 8321

والجواب: الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين أحدهما: قيامه بظاهر الشريعة والثاني: شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال: لا تطلب مني حمدًا يليق بجلالك ، ولا شكرًا يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } مقدمًا في الذكر على قوله { لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } .

السؤال الثالث: أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا { لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا * وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء؟

والجواب: المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل .

قوله تعالى: { واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } .

إعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ { رَبَّنَا } وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ { رَبَّنَا } وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان:

السؤال الأول: لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا؟ .

الجواب: النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعارًا بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أُخر .

السؤال الثاني: ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة؟ .

الجواب: أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونًا له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول: هو العذاب الجسماني ، والثاني: هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضًا قسمان: ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائبًا عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقًا بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى ، فقوله { وارحمنا } طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك { أَنتَ مولانا } طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله { أَنتَ مولانا } خطاب الحاضرين ، ولعلّ كثيرًا من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون: إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت