{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى } [ النجم: 30 ] .
وفي قوله { أَنتَ مولانا } فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم السموات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة للكل ، على ما قال: { نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } [ الأنفال: 40 ] ونظير هذه الآية { الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ } [ البقرة: 257 ] أي ناصرهم ، وقوله { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه } [ التحريم: 4 ] أي ناصره ، وقوله { ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُم } [ محمد: 11 ] .
ثم قال: { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } [ التوبة: 33 ] ومن المحققين من قال: { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة .
وروى الواحدي C عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي A إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة: إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله { آمن الرسول } فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، فقال محمد A: { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } فقال الله تعالى: «قد غفرت لكم» فقال: { لاَ تُؤَاخِذْنَا } فقال الله: ( لا أؤاخذكم ) فقال: { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } فقال: «لا أشدد عليكم» فقال محمد { لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فقال: «لا أحملكم ذلك» فقال محمد { واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا } فقال الله تعالى: «قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين» وفي بعض الروايات أن محمدًا A كان يذكر هذه الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين .
وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول: إلهي وسيدي كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك ، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا يشغله سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه والسورة الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلّم .