المقدمة الثالثة: أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر ، وذلك متفق عليه .
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: الميم من قولنا { الم } ساكن ولام التعريف من قولنا { الله } ساكن ، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى ، وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفرّاء .
أما البحث الثاني: فلقائل أن يقول: الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، فلم اختير الفتح ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه: الكسر ههنا لا يليق ، لأن الميم من قولنا { الم } مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل ، فتركت الكسرة واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج ، وقال: ينتقض قوله بقولنا: جير ، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف ، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها ، فإذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك { الله } وهو في غاية الخفة ، فيصير اللسان منتقلًا من أثقل الحركات إلى أخف الحركات ، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة ، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا { الله } فكان النطق به سهلًا ، فهذا وجه تقرير قول سيبويه ، والله أعلم .
المسألة الثانية: في سبب نزول أول هذه السورة قولان:
القول الأول: وهو قولُ مقاتل بن سليمان: إن بعض أول هذه السورة في اليهود ، وقد ذكرناه في تفسير { الم ، ذلك الكتاب } [ البقرة: 1 2 ] .
والقول الثاني: من ابتداء السورة إلى آية المُباهلة في النَّصارى ، وهو قول محمد بن إسحاق قال: قدم على رسول الله A وفد نجران ستون راكبًا فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، أحدهم: أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني: مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا يقولون له: السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث: حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم ، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله A ، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك ، فقال: ولم يا أخي؟ فقال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالًا كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد A لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة: الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول الله A على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون: هو ابن الله ، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم: هو الله ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحدًا لقال فعلت فقال لهم رسول الله A: أسلموا ، فقالوا: قد أسلمنا ، فقال A كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدًا ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون الخنزير ، قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله A ، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .