ثم أخذ رسول الله A يناظر معهم ، فقال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا بلى ، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئًا من ذلك؟ قالوا: لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئًا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا ، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث قالوا: بلى فقال A: « فكيف يكون كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا ، ثم قالوا: يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى » ، قالوا: فحسبنا فأنزل الله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه } [ آل عمران: 7 ] الآية .
ثم إن الله تعالى أمر محمدًا A بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة ، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض: ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيًا قط إلا وفى كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله A فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلًا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، فقال عليه السلام: آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع رسول الله A الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال: اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة .