فهرس الكتاب

الصفحة 1594 من 8321

واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعًا ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: إعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله A كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في معرفة الإله ، أو في النبوّة ، فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولدًا وأن محمدًا لا يثبت له ولدًا فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل عقلًا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوّة ، فهذا أيضًا باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد A ، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوّة ، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جدًا فلننظر ههنا إلى بحثين .

البحث الأول: ما يتعلق بالإلهيات فنقول: إنه تعالى حي قيوم ، وكل من كان حيًا قيومًا يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا: إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى: { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } وإذا كان الكل محدثًا مخلوقًا امتنع كون شيء منها ولدًا له وإلها ، كما قال: { إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ ءَاتِى الرحمن عَبْدًا } [ مريم: 93 ] وأيضًا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيًا قيومًا ، وثبت أن عيسى ما كان حيًا قيومًا لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حيًا قيومًا ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها ، فهذه الكلمة وهي قوله { الحى القيوم } جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت