فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 8321

قلت لها قفي فقالت قاف ... سمى نطقها بمجرد القاف قولًا .

المسألة السادسة عشرة: قال أيضًا إن لفظ القول يصح جعله مجازًا عن الاعتقادات والآراء ، كقولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، أي: يعتقد ما كانا يريانه ويقولان به ، ألا ترى أنك لو سألت رجلًا عن صحة رؤية الله تعالى فقال: لا تجوز رؤيته ، فتقول: هذا قول المعتزلة ، ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف ، وذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازًا عنه .

يستعمل القول في غير النطق:

المسألة السابعة عشرة: لفظ قال قد يستعمل في غير النطق ، قال أبو النجم:

قالت له الطير تقدم راشدا ... إنك لا ترجع إلا حامدا

وقال آخر:

وقالت له العينان سمعًا وطاعة ... وحدرتا كالدر لما يثقب

وقال:

امتلأ الحوض وقال: قطني ... مهلًا رويدًا قد ملأت بطني

ويقال في المثل: قال الجدار للوتد لم تشقني ، قال: سل من يدقني ، فإن الذي ورايى ما خلاني ورايى ، ومنه قوله تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل: 40 ] وقوله تعالى: { فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت: 11 ] .

المسألة الثامنة عشرة: الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم لهذه الألفاظ والكلمات ، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى بالكلام وبالقول ، واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر: أما القرآن فقوله تعالى: { والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } [ المنافقون: 1 ] وظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمدًا رسول الله وكانوا صادقين فيه ، فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ وما هو إلا كلام النفس ، ولقائل أن يقول: لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني ، قوله: «أخبروا أن محمدًا رسول الله» قلنا: لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمدًا رسول الله ، لأنهم كانوا قالوا: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } [ المنافقون: 1 ] والشهادة لا تحصل إلا مع العلم ، وهم ما كانوا عالمين به ، فثبت أنهم كانوا كاذبين ، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني ، وأما الأثر فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة: كنت قد زورت في نفسي كلامًا فسبقني إليه أبو بكر ، وأما الشاعر فقول الأخطل:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وأما اللذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن من لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم ، وأيضًا الحنث والبر يتعلق بهذه الألفاظ ، ومن أصحابنا من قال: اسم القول والكلام مشترك بين المعنى النفساني وبين اللفظ اللساني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت