فهرس الكتاب

الصفحة 1616 من 8321

الحجة الرابعة: لو كان قوله { والراسخون فِي العلم } معطوفًا على قوله { إِلاَّ الله } لصار قوله { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به ، أو يقال: ويقولون آمنا به .

فإن قيل: في تصحيحه وجهان الأول: أن قوله { يَقُولُونَ } كلام مبتدأ ، والتقدير: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني: أن يكون { يَقُولُونَ } حالا من الراسخين .

قلنا: أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني: أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركًا للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى .

الحجة الخامسة: قوله تعالى: { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة .

الحجة السادسة: نقل عن ابن عباس Bهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحدًا جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى .

وسئل مالك بن أنس C عن الاستواء ، فقال: الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .

ثم قال تعالى: { والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء .

واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئًا متشابهًا ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعًا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودًا شبهة في الطعن في صحة القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت