فهرس الكتاب

الصفحة 1630 من 8321

بقي من مباحث هذا الموضع أمران:

البحث الأول: أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئيًا ، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئيًا أما الأول: فهو محال عقلًا ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، وأما الثاني: فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزًا لا واجبًا ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال: إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها: أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها: لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعًا عن إدراك البعض وثالثها: يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعًا عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ذلك محتمل .

البحث الثاني: اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون ، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل: إن كون المشرك رائيًا أولى ، ويدل عليه وجوه الأول: أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلًا ، وأبعدهما مفعولًا أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله { وأخرى كَافِرَةٌ } والثاني: أن مقدمة الآية وهو قوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطابًا مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركًا الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال: { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا } فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم .

واحتج من قال: الراؤن هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم .

ثم قال: { رَأْىَ العين } يقال: رأيته رأيًا ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول: هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري ، فقوله { رَأْىَ العين } يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفًا للمكان ، كما تقول: ترونهم أمامكم ، ومثله: هو مني مناط العنق ومزجر الكلب .

ثم قال: { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصر الله المسلمين على وجهين: نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت