ثم ضرب الثالثة فقال:"أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا"فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيّكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيّه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم .
المسألة الرابعة: { الملك } هو القدرة ، والمالك هو القادر ، فقوله { مالك الملك } معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب «الكشاف» { مالك الملك } أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بيّن كونه { مالك الملك } على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعًا خمسة:
النوع الأول: قوله تعالى: { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } وذكروا فيه وجوهًا الأول: المراد منه: ملك النبوّة والرسالة ، كما قال تعالى: { فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكًا عَظِيمًا } [ النساء: 54 ] والنبوّة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشرًا رسولًا فحكى الله عنهم قولهم { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا } [ الإسراء: 94 ] وقال الله تعالى: { وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا } [ الأنعام: 9 ] وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولًا من البشر ، إلا أنهم كانوا يقولون: إن محمدًا فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف: 31 ] وأما اليهود فكانوا يقولون النبوّة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوّة والكتاب فكيف يليق النبوّة بمحمد A ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوّة ، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله { أم يحْسُدونَ الناس على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } [ النساء: 37 ] .
وأيضًا فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد } [ آل عمران: 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي A بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } .